العز بن عبد السلام

356

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

وكان إبليس يطؤها بقدمه ، فلما عجنت طينة آدم ، وصورت صورته من تلك الطينة ، جاء خلق النفس من التراب الذي وطئه إبليس بقدمه ، وخلق القلب من التراب الذي لم يطأه إبليس بقدمه ، فاكتسبت النفس ما فيها من الخبث والأوصاف المذمومة من ملامسة وطء إبليس ، ومن هنا جعلت النفس مأوى الشهوات ، وعيشه وسلطانه عليها ؛ لوطئه لها ، ومن هنا جعل إبليس التكبر على آدم ، حيث وجدها [ مخلوقة ] " 1 " من تراب قدمه ، ونظر إلى جوهر عنصره ، وهو النار ، فادّعى الفخار حينئذ ، ومال إلى الاستكبار . وهكذا معنى قوله - سبحانه وتعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [ البقرة : 168 ] ، [ أرادته النفس ومطاوعتها لأن خطوة الشيطان ] " 2 " التي خلقت من تحت خطواته . واعلم أنه نشأت شجرة الكون ، أنبتت أغصانا ثلاثة : غصن ذات اليمين ، وغصن ذات الشمال ، وغصن نبت مستقيما قويما ، وهو غصن السابقين . فكانت روحانية محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قائمة بالثلاثة أغصان ، متعلقة بها ، سارية فيها ، لكل غصن نصيب على مقدار قابليته لتلك الروحانية ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . فكان حظ غصن أصحاب اليمين : روحانية الهداية ، والمتابعة له والعمل بسنته وشريعته ، قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ [ الأعراف : 157 ] ، وكان حظ السابقين : روحانية القربى منه والزلفى لديه والصحبة له : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النساء : 69 ] . وكان حظ غصن أصحاب الشمال من روحانية حمايتهم في الدنيا ، وأمنهم من العقوبة المعجلة وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] الآية . فلما آن أوان ظهور جسمانيته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الوجود ، نبت غصن وجوده مستقيما قويما .

--> ( 1 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ) . ( 2 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ) .